الأم والحزن !!
لماذا يُقال إنّ على الأم ألّا تحزن؟
وهل هذا صحيح يا ترى؟
لأكون صادقة معكِ، أعيش في مدينةٍ بمفردي مع طفلتيّ الصغيرتين: سارة، ذات السنتين ونصف تقريبًا، وإيليا، سنة وشهران.
زوجي يعمل ويقيم في مدينةٍ أخرى، يأتي كل شهرٍ لمدة خمسة أو أربعة أيام فقط. حين يأتي، نمضي الوقت بين مواعيد المستشفى، وزيارات العائلة، وكل ما تراكم من مواعيدٍ مؤجّلة.
لكنني هنا، لا لأحكي عن المواعيد… بل عن الحزن.
الحزن، يا سادتي، يتملكني كلما سافر من جديد.
بعد أن يأتي، فتترتب حياتنا، وتعود الأمور إلى نصابها، يعود هو للسفر، وأعود أنا للعيش وحدي من جديد.
حين أُغلق الباب خلفه، أراجع كل السنوات التي مضت، كيف افترقنا طويلًا، وما إن اجتمعنا، حتى افترقنا مرة أخرى.
وحين أبكي وأنهار، أرى وجهي طفلتيّ، وكيف تنظران إليّ دون أن تفهما ما بي، ولا سبب دموعي.
وهنا يبدأ لَمّ شتات نفسي.
أكفكف دموعي، أتوضأ، أصلّي، أدعو، وأبدأ بالعمل على نفسي من جديد…
على تلك النسخة منّي التي ما زلتُ أنتظر قدومها.
أعمل على أن أكون مثالًا يُحتذى به لأطفالي.
وحينها فقط، أُدرك القوة التي يرزقها الله للأم.
كيف، خلال دقائق معدودة، أتحوّل من البكاء إلى السعي والعمل؟
وكيف، فقط لأنني أم، أصبحتُ هكذا؟
فلولا أطفالي — بعد الله عزّ وجل — لأمضيت أيامًا وليالي أبكي وأغرق في الاكتئاب.
لكن لأنني أم، فليس مسموحًا لي أن أحزن طويلًا.
سعادة أطفالي واجبٌ شخصي، وحقّ لهم عليّ.
عليّ أن أُخفف عنهم غياب والدهم،
أن أعلّمهم، وأربّيهم، وأنشئ منهم بشرًا أسوياء…
لأنهم غدًا سيكبرون، وسيصيرون — هنّ — أمهات أيضًا.
ولهذا، أريدهم أن يتذكروني كالأم القوية.
لا تلك التي لا تنهار،
بل التي تنهار، وتشرح لهم لماذا انهارت،
تحتضنهم وهي تبكي،
وتخبرهم أنها بحاجة إلى حضن…
ثم تنهض، وتُكمل حياتها.
لهذا، حين أغلقتُ الباب خلف زوجي اليوم،
بكيت، واحتضنت طفلتيّ،
ثم لعبت معهما، وجلست أكتب هذا النص.
إن اعتبرتِه مقالًا، فليكن.
وإن رأيتِه حديث صديقةٍ إلى صديقتها، فهو كذلك.
حديث عن الحياة الواقعية، لا الوردية.
عن أمّهاتٍ يُطلب منهنّ أن يكنّ أقوى كل يوم، لأن لا خيار آخر.
لأنني أم…
أنهض قبل أن أشبع من النوم.
آكل وجبتي على دفعات.
أستحم وأنا أغنّي، أوزّع انتباهي بين هذه وتلك.
لذلك، نعم…
على الأم أن تكون أقوى من أيّ أحدٍ آخر.
وعليها ألّا تحزن طويلًا،
لأن هناك من ينتظر ابتسامتها فقط، ليكون سعيدًا مثلها.
الأم كائنٌ مُعدٍ بالمشاعر،
تنقلها إلى صغارها دون استئذان.
فاختاري، أيتها الأم،
أيّ عدوى تريدين أن تزرعيها في قلوبهم
تعليقات
إرسال تعليق